فريد الفيتوري، المدير العام لشركة ليبيا لإعادة التأمين: نسعى لبناء شركة إعادة تأمين محترفة وموثوقة تواكب التطورات العالمية

23 حزيران 2026
ليبيا
مشاركة

رغم حداثة تجربة إعادة التأمين في ليبيا، استطاعت شركة ليبيا لإعادة التأمين أن تثبت حضورها سريعاً في السوق المحلي والإقليمي، مستندة إلى استراتيجية تقوم على بناء مؤسسة مهنية قادرة على إدارة المخاطر وتعزيز استقرار قطاع التأمين.

تأسست شركة ليبيا لإعادة التأمين، التي يقع مقرها الرئيسي في طرابلس، عام 2022 م برأس مال مدفوع بلغ 100 مليون دينار ليبي، لتكون من أوائل شركات إعادة التأمين الوطنية في البلاد. وخلال فترة قصيرة، حققت الشركة نمواً ملحوظاً بلغ نحو 40%، لتتبوأ موقعاً متقدماً محلياً من حيث حجم رأس المال والأقساط المكتتبة.

وتوفر الشركة خدمات إعادة التأمين الاتفاقي والاختياري لمختلف فروع التأمين، بما يشمل الممتلكات، السيارات، المسؤوليات، النقل، الطاقة، الطيران، والأخطار السياسية، مقدمة دعماً فنياً ومالياً لشركات التأمين المحلية والدولية.

في هذا الحوار، يتحدث المدير العام لشركة ليبيا لإعادة التأمين، فريد سالم الفيتوري، عن واقع قطاع التأمين الليبي، أبرز التحديات التي تواجهه، فرص النمو المستقبلية، ودور الشركة في تطوير صناعة إعادة التأمين.

 

كيف تقيمون واقع قطاع التأمين في ليبيا، وما أبرز التحديات التي تواجهه؟

يختلف واقع السوق الليبي بين شركات التأمين المباشر وشركات إعادة التأمين، إلا أن القطاعين تأثرا بمجموعة من التحديات الهيكلية التي انعكست على مستوى الثقة بالقطاع ككل.

ومن أبرز هذه التحديات تداعيات الأحداث السياسية والأمنية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، والتي أثرت على البيئة الاقتصادية، وأدت إلى اضطراب المنظومة المصرفية، وارتفاع مستوى المخاطر السياسية والأمنية. كما واجهت شركات إعادة التأمين العالمية صعوبات في تحصيل مستحقاتها وتحويل الأموال بالعملات الأجنبية، ما دفع عدداً منها إلى تقليص أو تعليق نشاطها في السوق الليبي.

كذلك أدى الركود الاقتصادي وتراجع المشاريع الحكومية، التي كانت تمثل أحد المحركات الرئيسية لسوق التأمين، إلى انخفاض حجم الأقساط، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية لمؤسسات القطاع الخاص وتأثير ذلك على الطلب على المنتجات التأمينية.

ومن التحديات الأخرى تأثير إرث المنظومة الاقتصادية السابقة، حيث كان سوق التأمين حتى عام 1999 يعتمد بشكل أساسي على شركة تأمين حكومية واحدة، قبل أن يبدأ دخول شركات خاصة وظهور المنافسة، إلا أن تطوير السوق كان يحتاج إلى أطر تنظيمية وتشريعية أكثر إستجابةً وتوازناً مع ما هو متوفر في الأسواق الإقليمية والقارية والعالمية.

كما لا تزال هناك تحديات مرتبطة بمحدودية البيانات والشفافية، وصعوبة استقطاب الكفاءات الفنية المتخصصة، إضافة إلى الحاجة لمزيد من التطوير في البنية القانونية والتنظيمية ومواكبة الابتكار العالمي في المنتجات التأمينية وأساليب التسويق.

ورغم ذلك، فإننا ننظر إلى مستقبل القطاع بتفاؤل كبير، خصوصاً أن ليبيا تمتلك مقومات اقتصادية مهمة وموارد طبيعية تفوق قدرتها على إدارة تطويرها دون قطاع تأمين قوي باعتبارها دولة نفطية ذات إمكانات كبيرة. ويقدر حجم أقساط التأمين حالياً بين 250 و300 مليون دولار فقط، وهو حجم محدود مقارنة بما تم سرده أعلاه، ما يعني وجود فرص كبيرة للنمو.

 

كيف تقيمون الإطار التشريعي والتنظيمي لقطاع التأمين في ليبيا؟

خلال الفنرة السابقة بدايةً من السبيعينيات من القرن الماضي وحتى بداية الألفية الجديدة كان قطاع التأمين يخضع لأحكام القانون رقم 131 لسنة 1970 م، ثم صدر عام 2005 قانون الإشراف والرقابة على التأمين رقم (3)، إلا أن هذا القانون لم يكن كافياً لمعالجة جميع احتياجات القطاع.

اليوم هناك جهود لتطوير منظومة الرقابة والإشراف من خلال تعزيز دور هيئة الإشراف على التأمين التابعة لوزارة الاقتصاد، وإنشاء إدارات متخصصة داخل أروقتها مثل الإدارة القانونية، وإدارة المراجعة، وإدارة المتابعة، إضافة إلى تطوير الكوادر الليبية الشابة وإجراءات منح التراخيص لشركات التأمين الجديدة.

كما تتم دراسة إصدار قانون جديد للإشراف على التأمين، يتضمن توجهات مهمة، من بينها فرض إلزامية بعض أنواع التأمين، مثل التأمين على الإنشاءات والتطوير العقاري والتأمين على المصالح الفردية وغيرها.

إن التأمينات الإلزامية لعبت تاريخياً ولازالت دوراً محورياً في تطوير قطاع التأمين في الدول المتطورة، لأنها تساهم في رفع الوعي التأميني وتوسيع قاعدة العملاء، أما في ليبيا فإن مفهوم التأمين لدى شريحة واسعة من الليبيين ظل مرتبطاً لفترة طويلة بالتأمين الإلزامي على السيارات وبعض أنواع التأمين الأخرى كالتأمين الصحي فقط ومن هنا تأتي أهميتها.

 

كيف تنظرون إلى اهتمام شركات إعادة التأمين العالمية بالسوق الليبي اليوم؟

في السابق كانت العديد من شركات إعادة التأمين العالمية الكبرى تعمل في ليبيا، لكنها انسحبت بعد الظروف السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، نتيجة تعثر مقدمي الخدمة للإيفاء بإلتزاماتهم من أقساط إعادة التأمين بسبب التحديات في القطاع المصرفي وتراجع النشاط الاقتصادي.

أما اليوم، فقد بدأ الاهتمام يعود تدريجياً، خصوصاً بعد التغييرات التي شهدها القطاع المصرفي وزيادة المنافسة في السوق حيث إختصت شركات الوساطة العالمية العائدة إلى السوق الليبي بتمثيل إهتمامات معيدي التأمين الدوليين بشكل خاص على مشاريع النفط والغاز سواءً التشغيلية منها أو التطويرية، باعتبار أن ليبيا تنتج نحو مليون وثلاثمائة ألف برميل نفط يومياً مع كميات معتبرة من الغاز الطبيعي و تسعى لزيادة إنتاجها في السنوات القادمة نتيجة إمتلاكها لإحتياطيات نفط وغاز تعد من ضمن الأعلى في العالم.

هذا، ناهيك عن الموارد الطبيعية الأخرى كالمعادن الثمينة ومصادر الطاقات المتجددة وخامات أخرى كثيرة يحتاج إليها السوق العالمي بإزدياد في كل عام.

وفي هذا السياق، فإن تأسيس شركات إعادة تأمين وطنية مثل ليبيا لإعادة التأمين يمثل خطوة استراتيجية مهمة، لأنها توفر قدرة محلية على استيعاب المخاطر، وتساهم في توظيف رؤوس الأموال داخل الاقتصاد الوطني، وتوطين الخبرات وتقليل خروج العملات الأجنبية.

ونحن نعمل حالياً مع سبع شركات تأمين محلية، من خلال أعمال إعادة التأمين الاختياري، ونسعى إلى تعزيز هذا التعاون خلال المرحلة المقبلة بما يخدم هذه التوجهات.

 

ما أبرز النتائج التي حققتها شركة ليبيا لإعادة التأمين منذ تأسيسها؟

خلال السنوات الثلاث الماضية حققنا نمواً في حجم الأقساط بلغ نحو 40%، إلا أن تقييم أداء شركات إعادة التأمين لا يعتمد فقط على النتائج المالية، بل يرتبط بشكل أساسي بالنتائج الفنية وجودة إدارة المخاطر.

نحن نركز على بناء مؤسسة قوية ومستدامة، وتطوير فريق عمل متخصص قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً. كما نقدم خدماتنا في أسواق متعددة تمتد من جنوب شرق آسيا إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

لكننا نؤمن بأهمية النمو المدروس، ونعتمد سياسة التوسع التدريجي بعيداً عن التوسع العشوائي الذي قد يتجاوز القدرات الفنية والمالية للشركة ويحدث خللاً كبيراً في ميزان توسع الربح المادي على حساب الجودة والأداء الفني.

 

هل تقدمون خدمات إعادة التأمين لمختلف المنتجات داخل ليبيا وخارجها؟

هناك العديد من المنتجات التأمينية المتوفرة في الأسواق العالمية وغير المتاحة بعد في السوق الليبي، حيث إن نحو 40% من المنتجات الموجودة في الأسواق المتطورة لم تدخل السوق المحلي بعد.

نحن نشجع على تطوير هذه المنتجات لأنها ستساهم في توسيع قاعدة العملاء وزيادة حجم الأقساط. وفي المقابل، هناك بعض المنتجات التي تواجه تحديات مرتبطة بالثقافة المجتمعية، مثل التأمين على الحياة، إلا أن ظهور منتجات مثل التأمين التكافلي على الحياة (Life Takaful) ساهم في معالجة جزء من هذه التحديات.

أما على المستوى الخارجي، فنحن قادرون على إعادة تأمين معظم الأخطار، باستثناء بعض المجالات المتخصصة التي لا تدخل ضمن نطاق عملنا الحالي، مثل منتجات التأمين على الحياة والتأمينات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

 

ما الدور الذي تلعبه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير قطاع إعادة التأمين؟

أصبحت التكنولوجيا عاملاً أساسياً في تطوير صناعة إعادة التأمين، إذ ساهمت في تحسين نماذج تسعير المخاطر، وإستكمال إجراءات المطالبات والعقود، وتحليل المحافظ التأمينية، إضافة إلى تعزيز القدرة على اكتشاف الاحتيال والتنبؤ بالمخاطر المستقبلية.

ولنا في الذكاء الإصطناعي خير مثال في المساهمة في تحسين الأداء وإتخاذ القرارات الفنية الصائبة فنياً.

كما بدأت تقنيات حديثة مثل Blockchain ونماذج تحليل البيانات المتقدمة تلعب دوراً متزايداً في تحسين كفاءة العمليات ورفع مستوى الشفافية.

 

ما أبرز مشاريعكم وخططكم المستقبلية؟

هدفنا الأساسي هو بناء شركة إعادة تأمين محترفة وموثوقة، تلتزم بوعودها وتعهداتها تجاه عملائها وشركائها.

عادة ما تحتاج شركات إعادة التأمين إلى فترة تتراوح بين 10 و15 عاماً منذ تأسيسها لتظهر نتائجها الفنية بصورة واضحة، ولذلك نركز حالياً على بناء الأساس المتين للشركة وتعزيز قدراتها التشغيلية والفنية.

ونحن في شركة ليبيا لإعادة التأمين نملك الإرادة والطوح للنجاح في هذا الطريق.

كما أننا نؤمن بأن النجاح المستدام يأتي من بناء شركة قوية ومتوازنة قادرة على المنافسة، وليس من التوسع السريع فقط.

أخبار من نفس الفئة